التقت الجهود واجتمعت الهمم على المشاركة في قافلة الأمل الأوروبية، تلك القافلة التي نظمت بمبادرة من "الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة"، حيث اجتمع المشاركون من جميع أنحاء القارة الأوروبية، في مؤتمر فلسطينيي أوروبا السابع؛ ليعلونوا انطلاق القافلة من ميلانو إلى ميناء جنوى الإيطالي، وصولاً إلى ميناء الإسكندرية.

هذه القافلة التي تتكون من أربعين شاحنة، محملة بالمعدات والأجهزة الخاصة بفئة المعوقين، تحمل الأمل لهذه الفئة الأكثر تضرراً في الحرب الهمجية، التي شنت مؤخراً على قطاع غزة، وتحمل معها رسالة تضامن وتصميم على كسر الحصار الظالم عن أهل القطاع الحبيب.

انطلقت السفينة من ميناء جنوى يوم 10 مايو، حاملة معها القافلة باتجاه ميناء الإسكندرية، لتصل يوم 15 مايو، لنتفاجأ بموقف السلطات المصرية بمنع القافلة من العبور براً إلى غزة، واشتراطهم أن تنتقل بحراً إلى ميناء بورسعيد، ثم تنتقل براً إلى غزة، وهذا القرار الصعب قد أخر القافلة وأعاق وصولها في الوقت المحدد، واستغرق منا أكثر من أسبوع، لحجز سفينة إضافية، لنقل القافلة بحراً إلى بورسعيد.

انتظر المشاركون أسبوعاً في مدينة بورسعيد، على أمل وصول قافلة الأمل، بمزيد من الأسى والتأمل، وأخيراً وصلت السفينة صباح يوم الأحد 22 مايو، لننطلق جميعاً بعد التدقيق الأمني الشديد من قبل رجال الأمن المصري إلى معبر رفح، وبالفعل تم تسيير القافلة بموكب محمي ومحروس من أكثر من مائة سيارة، ومئات رجال الأمن، ومرة أخرى مفاجأة جديدة، وهي أنه لا يمكننا الدخول مساءً إلى غزة، ولابد من المبيت ليلة جديدة في العريش، وتم حجز القافلة في موقف للسيارات، وذهبنا إلى النوم على أمل مواصلة المسير في الصباح الباكر إلى غزة.

انطلقنا مع الصباح الباكر، وبمرافقة قوات الأمن إلى معبر رفح، الذي يبعد فقط 45 كم من مدينة العريش، وكلنا أمل أن الحلم بدأ يتحقق، وها نحن الآن نجتاز المعبر المصري، وبعد أربع ساعات من الإجراءات الأمنية، تمت الموافقة على دخول جميع أفراد القافلة، وتم بالفعل ختم الجوازات بختم المغادرة، باستثناء ثلاثة أشخاص ممن ليست لديهم الجوازات الأوروبية، وكم كانت فرحة الجميع بقرب الوصول إلى قطاع غزة، فجزء كبير ممن كانوا من القافلة أصلهم من فلسطينيي الشتات، ولم يرَ فلسطين في حياته أبداً، وجزء آخر من المسلمين، الذين تجري قضية فلسطين في عروقهم مجرى الدم، متشوقين للقاء الفلسطينيين في غزة.

ولكن، وللأسف، لم تتم الفرحة، فبعد أن هممنا بالذهاب للسيارات؛ استعداداً للانطلاق نحو غزة، جاء قرار غير متوقع، ومفاجئ، بإلغاء دخول القافلة، وبدا الحزن على وجوه الجميع والاستغراب مما حدث.

طلب منا المغادرة، والانتظار في العريش، ريثما يتم التنسيق من جديد، ولكنا رفضنا، وقررنا المبيت في المعبر على الأرض، وكانت ليلة صعبة، حيث تحول الأمل والحلم إلى مرحلة جديدة من المعاناة، سبحان الله، نبعد عن أرض فلسطين 20 متراً فقط، ويحال بيننا وبين أهلنا ووطننا، بحجج واهية، ليست لها أي مبررات، وافترش أفراد القافلة الأرض، لنعيش يوماً من المعاناة التي يعيشها أهل فلسطين من سكان غزة على المعبر.

كم كانت الليلة طويلة، والأرض قاسية، وكم كان الألم يعتصر القلوب، دقائق فقط تفصلنا عن الوطن، ولكن الإجراءات الأمنية أبت إلا أن تؤخرنا وتبعدنا عن الوطن.في صباح اليوم التالي بدأنا بمفاوضات جديدة، ساعات وساعات ولم نصل إلى حل، فالسلطات المصرية لا تريد إدخال سوى عشرة أشخاص.

رفضنا العرض المصري، وقررنا العودة من حيث أتينا إلى أوروبا، نحن والمعونات التي أحضرناها، وبعد ساعات ومفاوضات سمح لعشرين شخصاً فقط بالدخول، مع السماح بادخال جميع الشاحنات، وعندها بدأت المفاوضات بين أعضاء القافلة هل نقبل بالعرض المصري؟ أم نعود؟ وهل المصلحة بدخول جميع أفراد القافلة؟ أم المصلحة بدخول المساعدات؟ وهل نتمسك بالدخول الجماعي؟ أم بدخول البعض مع المساعدات؟ معادلة صعبة، ومصلحة راجحة ليس من السهل قبولها من جميع أفراد القافلة، ونداءات من داخل غزة بضرورة إدخال الشاحنات والمساعدات، وعدم العودة؛ لكيلا يفتح المجال لإرجاع قوافل أخرى، وهل المصلحة بعودة الشاحنات إلى أوروبا؟ والتكلفة المادية الباهضة المترتبة على قرار العودة، وفي المقابل الإخوة السائقين الذين قادوا السيارات من أوروبا آلاف الأميال، وهم الآن على أبواب غزة، ولن يسمح لهم بالدخول، كان الاختيار صعباً، ومناقشته مع الأخوة شاق؛ لذا دام الأمر ساعات، حتى تم حسم الأمر، وقررنا الدخول بالعدد القليل مع كل الشاحنات.

وعلى أثر هذا القرار، سيرجع أكثر من ثمانين شخصاً، ولن يسمح لهم بالدخول، صدمة وألم وحسرة في قلوب الجميع، ودموع انهمرت من العيون، هنا انتهى الأمل، ولم يعد بالإمكان التقدم إلى الوطن، وتحقيق الحلم.

مع التاسعة مساءً، سمح بالدخول لأعضاء القافلة العشرين، وفي قلوبهم غصة على تركهم باقي أعضاء القافلة في الجانب المصري، ودخلنا، ولم تكتمل الفرحة، فقد شعرنا بأن جسد القافلة قد انقسم، فبعدما عشنا معاً لهدف واحد، وطريق واحد، وقافلة واحدة، من ميلانو إلى الإسكندرية، إلى بورسعيد، إلى العريش، إلى المعبر، ثم جاء الفراق، وحيل بيننا وبين باقي أفراد القافلة، هذه هي الإجراءات الأمنية، والتدابير التي أفسدت علينا رحلتنا، وشتّتَتْ شمل القافلة.

وعبرت القافلة كاملة بكل الشاحنات إلى قطاع غزة الحبيب، وهذا عزاؤنا، بأن الهدف قد تحقق، وأن المساعدات قد وصلت إلى فئة المعوقين، ولو دخل جميع أفراد القافلة لكانت سعادتنا قد اكتملت، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل، وتقبل الله من الجميع، وكل الشكر والتقدير والإجلال للأخوة الأبطال أفراد قافلة الأمل الأوروبية، وخاصة الذين لم يسمح لهم بالدخول.