برن

تقدّمت جمعية حقوقية أوروبية بدعوى قضائية لاعتقال الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، فور وصوله إلى سويسرا، التي من المقرر أن يصلها اليوم الاثنين (28/3)، وذلك على خلفية ارتكابه "جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية" بحق الشعب الفلسطيني.

وقال أنور غربي، رئيس جمعية "الحقوق للجميع" السويسرية وعضو "الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة": "قمنا اليوم الاثنين بتقديم دعوى أمام المدعي العام السويسري، للمطالبة باعتقال الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرتز خلال زيارته إلى سويسرا اليوم". وأضاف غربي، في تصريح صحفي اليوم: "إنه يجب على السلطات السويسرية القيام باعتقال بيريز على خلفية الجرائم التي ارتكبها، لا سيما وأن سجلها الحقوقي والإنساني يلزمها بذلك. خصوصًا وأن تقرير غولدستون الأممي بشأن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة اتهم تل أبيب وقادتها بأنهم ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، عقب قتل أكثر من ألف وأربعمائة وخمسين فلسطينياً، غالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء، خلال اثنين وعشرين يوماً".

وأشار في الوقت ذاته إلى أن أكثر من عشرين منظمة حقوقية وشعبية مساندة للقضية الفلسطينية، دعت للتظاهر والاعتصام اليوم الاثنين أمام مقر الحكومة السويسرية في جنيف، احتجاجًا على الزيارة المقررة للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لسويسرا.

شيمـون بيريـس ـ حقـائـق

إنّ شيمون بيريس، هو نموذج للمسؤولين الإسرائيليين الذي تجاهلوا طوال عقود من تقلُّدهم المسؤوليات الرسمية البارزة، القانونَ الدولي الإنساني، فضربوا عرض الحائط باتفاقيات جنيف وأقدموا على خرقها بشكل مستمرّ ومتكرِّر، وبصور صارخة أحياناً كبّدت مدنيين أبرياء حياتهم أو نزعت منهم حقوقهم.

(1) وعلى سبيل المثال؛ لقد كان شيمون بيريس يشغل خلال العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، المسماة "الرصاص المصبوب"، (2008 ـ 2009) منصبه الحالي وهو الرئيس الإسرائيلي، وهو أعلى موقع رسمي في الدولة. وقد تولّى بيريس خلال تلك العملية العسكرية الفظيعة وبعدها دعم الهجمات الإسرائيلية المروِّعة ضد المدنيين في قطاع غزة وتبريرها بشكل متكرِّر، وقام على ما يبدو بدور مركزي في الدعاية الحربية الإسرائيلية في العالم. ولم تصدر عن بيريس أثناء تلك العملية العسكرية أو بعدها أي إدانة أو انتقاد للانتهاكات الجسيمة التي اقترفها الجيش الإسرائيلي بحق السكان في قطاع غزة، وما زال متمسِّكاً بدفاعه عن تلك العملية وتبرير الجرائم التي تخللتها.

وكان تقرير بعثة الأمم امتحدة لتقصي الحقائق (تقرير غولدستون) قد كشف عن ارتكاب اسرائيل لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان العالمية والقانون الدولي الإنساني يرقى بعض منها لمستوى جرائم الحرب بل قد يكون بالإمكان اعتبارها جرائم ضد الإنسانية. وينسب "تقرير غولدستون" لقرارات صناع القرار رفيعي المستوى الإسرائيليين ارتكاب الخروقات لقوانين الحرب، فقد جاء فيه مثلاً: "بالأخذ في الاعتبار القدرة على التخطيط، وإمكانيات تنفيذ القرارات باستخدام أكثر التقنيات المتاحة تطوراً، إضافة لما صدر عن الجهاز العسكري الإسرائيلي من تصريحات بعدم وقوع أية أخطاء تقريباً، فإن البعثة تجد الحوادث وأنماط الأحداث التي أخذت بعين الاعتبار في التقرير هي نتاج تخطيط عمدي وقرارات سياسية."

(2) إلاّ أنّ سجلّ شيمون بيريس في اقتراف الانتهاكات التي يرقى بعضها لمصافّ جرائم الحرب، يشتمل أيضاً على سوابق عدّة من خلال تقلّده مواقع بارزة في أكثر من حكومة إسرائيلية، بما فيها موقع رئاسة الوزراء (أكبر موقع تنفيذي).

وعلى سبيل المثال، فإنّ بيريس، بينما كان رئيساً للحكومة، وجّه بصفته التنفيذية هذه، قوات الجيش الإسرائيلي لارتكاب عملية عسكرية في ربيع سنة 1996 سُميت "عناقيد الغضب"، تضمّنت تنفيذ مجزرة دموية بشعة أودت بحياة العشرات من المدنيين اللبنانيين في لحظة واحدة، في 18 أبريل 1996 في مركز قيادة فيجي التابع لقوات الأمم المتحدة في لبنان "يونيفل"، في قرية قانا اللبنانية الجنوبية. فقد قصفت القوات الإسرائيلية مقرّ الأمم المتحدة ذاك بعد لجوء المدنيين إليه هربا من القصف الإسرائيلي. وأدّى قصف المقر إلى مقتل 106 من المدنيين وإصابة الكثير بجروح، وذلك بعد سنتين من حصول بيريس على جائزة نوبل للسلام ـ بالشراكة ـ التي تنكّر لرسالتها والتزاماتها على هذا النحو الصارخ. واستمرّ بيريس في موقعه رئيساً للوزراء حتى بعد تلك المجزرة، رغم مسؤوليته العليا عن اقترافها. وبهذا يمكن اعتبار شيمون بيريس نموذجاً صارخاً لحالات الإفلات من العقاب.

(3) وفي عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (2009 ـ ... ) يتصرّف شيمون بيريس من موقعه في رئاسة الدولة، بطريقة تعزِّز من الأداء المريع للحكومة اليمينية المتطرِّفة في عدد من المجالات. فهو لم يبد أي معارضة لسياسة التوسّع في البناء غير المشروع في المستوطنات الإسرائيلية المقامة في القدس الشرقية والضفة الغربية، رغم الإدانات الدولية لهذه السياسة المتسارعة، بما في ذلك موقف "الرباعية" (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، والاتحاد الروسي). وبالمثل، كان موقف بيريس متواطئاً مع تشييد الجدار الفصل العنصري الذي تواصل سلطة الاحتلال تشييده على أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية، رغم الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي (2004) والجمعية العامّة للأمم المتحدة (2005)، ضد إقامة هذا الجدار. كما تواطأ بيريس في استمرار إجراءات الحصار المُشدّد والعقوبات الجماعية والإغلاقات المُسَلطّة على السكان في قطاع غزة، رغم ما تشتمل عليه تلك الإجراءات من انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي وشرعة حقوق الإنسان.

(4) أمّا في الداخل، فإنّ بيريس شريك، ضمنياً، للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرِّفة، التي تضمّ وزراء تبنّوا سياسات ومواقف فاشية مثل وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ووزير الداخلية إيلي يشاي. ولم يعارض بيريس، على سبيل المثال، حزمة القرارات والإجراءات عنصرية الطابع، التي أصدرتها الحكومة الإسرائيلية أو شرّعها البرلمان "الكنيست"، خلال السنوات 2009 ـ 2011، علاوة على القرارات التي تستهدف تقييد أداء مؤسسات حقوق الإنسان المستقلّة وتكميم أفواه منظمات المجتمع المدني التي تناهض سياسات سلطة الاحتلال وترصد انتهاكات السلطات الإسرائيلية بحق ناشطي السلام الإسرائيليين.